ارتباكات الذهنية الدينية لدى المجتمع السعودي
للدين تصورات ذهنية تكون مختزلة لدى الإنسان المسلم في عقلة وسلوكه وقيمة وأفكاره حتى في تعاملاته ، حيث يكتسب الإنسان تصوراً ذهنياً لدى المكون الديني أو الفهم الديني كلاً وبيئته التي هو ينتمي لها أو يمر بها ، وحيث تنعكس تصورات كلامية وممارسات فعلية عن الدين في عقل الفرد المتواجد في ذلك المحيط ، ويتأثر سلفاً بكل هذه التصورات التي قد لا يعي عمقها وبالأصح قد لا يتوقف معها مشككاً في مدى صحة تلك التصورات ، بل العادة جرت أن يمارسها كموروث ديني مسلم به تسليماً مطلقاً ، وهذا أمر طبيعي فلل العقل البشري خاصية التأثر والتأثير ، فهو يتأثر بأطروحات وكلاميات مجتمعه وبيئته ، فهو ذره في ذلك المحيط تحركها تموجات وتفاعلات تلك البيئة وتتبدل أحواله الذهنية عن التصورات حسب ذلك المحيط الذي هو جزء منه .
والمجتمع السعودي خلال الحقبة الزمنية الماضية والحالية نشأت به العديد من التصورات الدينية في شكل تيارات وتنظيمات أثرت ولا زالت تؤثر في الفرد السعودي وتأثر في المقام الأول في ماهية الدين لديه ، وبما أن التيارات في المجتمع السعودي تحب الظل وتعشقه وتتمدد في ذلك الظل القاتم فإنه أيضا يمتد عمق التصورات الدينية في ذهنيته أيضا بشكل غير مباشر في كثير من الأحيان ، وحيث أن منابع تلك التصورات تتصارع في سباقات مع بعضها البعض لأجل الظفر بمكسب ذهني في عقلية الفرد ليبرر لها ممارساتها وأهدافها بشكل شرعي (ديني سماوي) .
وبما أن لدينا تتوفر سوق سوداء رائجة في تسويق التصورات الدينية حيث انعكست على عقل الفرد ، فتجده ذو عقلية مشوهه ، فعقلة أصبح ساحة للتنافس من قبل أصحاب ومروجي تلك التصورات سواء كانت سليمة أم خاطئة ، فالفرد السعودي يتخبط كالتائه في الظلمة يبحث عن شعله من نور وإن كانت خافته في شعاعها ، فالذي كان لديه في التسعينيات من المحرمات أصبح اليوم من المباحات ومن كان في نظرهم علمانياً أصبح اليوم تنويرياً ، ومن كان بالأمس مجدداً أصبح اليوم في نظرهم مخرثاً والعكس كذالك ، كل هذه التحولات تتكون وتتبدل بصمت ودون ذهول ذهني من قبل هذا المجتمع ، فتجده يتبنى التصور الذهني الجديد ويتراجع عن قديمه دون شعور بهذا التغير الذي طرأ عليه .
السؤال الذي يجب الوقف عليه هو ما لذي يحدث هاهنا لدينا وما لذي يجرئ وما كل هذه التحولات والتبدلات السريعة التي تحدث في سنين قصيرة .
لفهم الظاهرة من البداهة أولا معرفة الأرضية الفكرية التي يعيش عليها هذا المجتمع ومعرفة مكونات هذه الأفكار ( كالغاز نشم رائحته ولا نراه) التي تسير في المجتمع ، ثم معرفة الخلفيات المصلحية والمنفعية لتلك التيارات فالمصلحة هي من يحدد إصدار الحكم أو الرأي أو المشروع وتعميمه ، فالذي كان يرى دخول المشركين للجزيرة العربية في التسعينيات حراماً أصبح ينظر لها في بداية هذا القرن من الضروريات ، ثم معرفة دوائر النفوذ الرسمية وغير الرسمية في المجتمع ( مؤسسات القرار الرسمية والغير رسميه ) ، فمن خلال هذه الثالوث من الممكن أن تساعدنا على فهم الكثير من الظواهر التي تخرج بلباس الدين سواء كانت دينية أم مدنية لكنها تخرج بشكل ديني ، من خلال هذا النموذج من الممكن أن يتيسر لنا رسم الواقع وتموجاته التي نركب الكثير منها ولا نشعر بها إلا وهي تقذفنا على سواحل قد لا نتخيل أننا نود أن نستقر عليها في يوم من الأيام لكن هذه هي شروط المراكب فالمركب سيسير بك أو بغيرك !