مقال تضامني كتبة الأستاذ عبدالمجيد سعود البلوي مع الأخ وليد أبو الخير المشرف على مرصد حقوق الإنسان في السعودية ، الذي يتعرض خلال هذه الأيام إلى مضايقات وتهديات شرسة من قبل الأجهزة الأمنية في السعودية ،وعلى رأسها المباحث العامة .
ونحن نتضامن مع المحامي وليد أبو الخير إلى أحلك الضروف والمحن ، ونقول له نحن معك يا وليد ومع كل مظلوم يرهبه ظالم .
هاشم الرفاعي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وليد أبو الخير شاب وحقوقي سعودي يواجه تهديدات مستمرة بالاعتقال والسجن وتصل المضايقات والتحذيرات والتهديدات إلى أسرته وهو لا يزال مستمرا في طريقة لا يتراجع خطوة واحدة إلى الوراء بل يواصل تقدمه وثباته و كأن يد القدر الخفية تلوح له بالراية من بعيد وتدفعه للمسير فوق الأشواك مشجعه له على تجرع ألوان العذابات ، التي اعرف يقينا انه لا يستقر له وجدان ويرتاح له ضمير ، حتى يتجرعها كأساً من وراء كاس ، فكيف لنا ،بحسب هذا الفتى الباذخ في رجولته واباءه وكرم نفسه ، أن ننعم براحة الوجدان وسكون الضمير ، وهناك أناس مظلومون ، سواء كانوا في السجون ، أو كانوا بين ظهراني المجتمع الذي لم يكلف نفسه عناء تخفيف الظلم عنهم أو حتى وفي اقل القليل ، عناء البحث عنهم ليعرفهم ….فقط ليعرفهم ..!!
ماذا كان سيكون هذا الوليد لو أنه لم يبتلى بهذه الروح الرافضة لكل أشكال القهر والظلم والاستبداد وهدر الكرامة وإضاعة الحقوق…..
وليد شاب ابن أسرة حجازية مكاوية عريقة كان منها قاضي قضاة مكة ومنها العلماء والفقهاء ، تخرج في جامعة الملك عبدالعزيز متخصصا في اللغة العربية وكان نصيبه الوظيفي مضمونا ،مدرسا في إحدى مدارس هذا الوطن الشاسع والكبير والمترامي الأطراف ،إلا انه وبرغم ضيق ذات اليد وتعسر الأحوال المادية كان له شان آخر وخيار مختلف …
كان من الطبيعي أن تدفعه تلك الظروف إلى خيار الوظيفة والبحث عن مصدر للدخل امن و مستقر ، ومن ثم التفكير في الزواج والاستقرار والعيش كما يعيش الكثيرون إلا انه لم يفعل ذلك . غادر إلى الأردن حاملا معه طموحا وحلما ،لا مستقر له ومستودع ، إلا في جوانح نفسه ،ودهاليزها العصية على نوائب الدهر وجوائحه ، وفي تلك اللحظة التي غادر فيها وليد الوطن ،كان الحلم قد غادر نفوس الكثيرين من “رفقاء الدرب وأصدقاء العهد”.. وانقلبوا بخشوع الحائرين إلى كهوف الصمت …وكان ضبابا كثيفا يغشى العيون …. ورسل الربيع الخادع تطرق الأبواب المغلقة على أصحابها ..وكانت تصدعات المشهد الديني تنذر بأفق مصبوغ بلون الخيبة والانكسار …..كنا جميعا في تلك السنين الجدباء نمتلك براءة السؤال وعذرية الشك …ومطاردة الاجوبه الحالمة كسراب لا يلبث أن يهرب من أمامنا لحظة اعتقادنا أننا تملكنا ناصيته العنيدة.. …
كنت في الضفة الشرقية من الوطن ،حيث تنبت الأحلام مبكرا وتموت مبكرا، وكان وليد في الضفة الغربية منه حيث الأشياء تتداعى قبل أن تعود إلى جذورها، سمعت عنه كثيرا قبل أن التقيه وربما هو كذلك …إذ كانت أعداد من الشباب الحركي النابت على ضفاف الفتوحات العولمية… والذين لم تعد أدوات الاستيعاب الحركي التقليدية، والسادرة عما حولها ، قادرة على تقديم إجابات لأسئلتهم المتفجرة ، كانت مجموعة يطوف ذكرهم بين الأقاليم الحركية تحذيرا حينا ،ونصحا حينا، وتساؤلا مصبوغا بشفقة حينا آخر ، وكل ذلك مخلوطا بثناء يحيطه ذم ، هم مثقفون نعم ولكنهم قوم نظريون لا يحسنون العمل !!! ، لديهم تقديس للعقل ، يقرءون لكتاب ليسوا بثقات ، معجبون بجمال الدين الافغاني!! ومتأثرون بمحمد الغزالي !!…الخ وهذه قصة طويلة ومثيرة و من الواجب روايتها يوما ما وربما يكون ذلك قريبا ،اعني قصة صدمة الحداثة التي جاءت إلينا متأخرة وارتداداتها داخل الأبنية الحركية وبزوغ سؤالات الحرية والعدالة والحقوق وانكشاف الخواء الذي تشتمل عليه الأبنية الحركية في نسختها المحلية أمام تلك القضايا الكبرى .. …
كان المفترض ان يبقى الوليد وان لايغادر وان يعمل في وظيفة مامونة ولايفكر بماورائها خصوصا وانه لن يعدم مبررات وحجج تجعل من هذا الخيار “خيارا نضاليا” يمكن بواسطته تحقيق غايات الوجود الانساني !!!!.
ذلك هو المفترض لو أن “الوليد ” يسير في حياته وفق ” الطبيعي” و”السائد “و”المعروف “و”المتيسر” و”الممكن”، ولكنه في الحقيقة ليس كذلك ولا حتى بعضا من ذلك…انه بحر لا ينتظر هبوب الرياح لتفجر عنفوانه وثورته، بل هو الذي يفجر العنفوان ويولد حركة الرياح وكأنها حمم يقذفها بركان ساكن من تحت أعماق المياه الساكنة والرقراقة و الغارقة في بحور من الصمت…….ويوم ان تندفع هذه الرياح “البركانية” فما عليك إلا أن تشاهد وتراقب سفنا انتصبت سواريها دهرا في أعالي البحار وهي تغرق في أسورة الغضب وأفلاكه المحمومة، وأخرى تنجوا ويدفع بها هذا الغضب إلى شواطئ الصدق و الآمان.
التقيت به لأول مرة في العام 2001 ، 2002 ، في غرفته في السكن الجامعي في المدينة المنورة وكنت حينها ارتاد الحرم النبوي في الإجازات بحثا عن أشياخ يأتون من شنقيط والشام ومن بلاد العجم القصية وكان هؤلاء يلتجئون إلى أعمدة الحرم فارين من رغائب الدنيا وزخارفها ، تشعر وأنت بين أيديهم انك في قوالب انتزعت من السموات العلية ،بنسماتها العليلة ، وروحانيتها النافذه ، والق نورها البهي الطاغي ….كنا نبحث عنهم ونتفحص الوجوه القادمة الجديدة لعله ان يكون من بينهم عالما جاء في آخر عمره ليفوز بجوار القبر الشريف وروضته النديه ، كان بعضهم يستجيب للجلوس معنا … ولكنه يتلفت خائفا أن يتسرب خبره إلى البعض فيأتي قرار ترحيله باسم الحفاظ على السنة وصفائها ……ويل للسنة من أدعياء الحفاظ عليها …….
كنا نقرأ عليهم متونا ومختصرات متناثرة بين الفقه واللغة والأصول والأدب، واذكر أن وليدا حينها كان يقرأ في فقه السادة المالكية ،وفي احد كتبهم المشهورة والمسمى بالسراج السالك ، وقد علمت منه فيما بعد انه أتم قراءته على ذاك الشيخ الزاهد ، الشيخ محفوظ …..وقد حفظ خلال أيامه المدنية العديد من المتون والمنظومات من ألفية ابن مالك في النحو إلى نظم المراقي في الأصول والشاطبية في القراءات وكان قد سبق له أن تحصل على إجازة في حفظ القران الكريم برواية حفص عن عاصم … …وقرأ في أيامه المدنية أيضا بعضا من متون الحنابلة في الفقه واحسب أن منها متن المقنع في الفقه لابن قدامه المقدسي …..أما في الحديث فقد أتم حفظ بلوغ المرام أثناء وجوده في الأردن ..
غادر وليد الى لأردن والأسمال البالية تمتد في الأفق …والشائعات وألوان الحصار الناعمة تلاحق “الفئة الناقده” داخل الصف الحركي وقد كان هو من ابرز من استعلن برأيه ونقده ، فارا من الاختفاء والمواربة كما يفعل الكثيرون …وقد كان النقد في مبدأ الأمر نقدا عمليا كما جرت العادة ، ثم تطور لاحقا إلى نقد المنطلقات الحاكمة للتصور الحركي والمحددة له….وهكذا تسير الأمور دائما تبدأ بصغار القضايا ثم ينتهي المطاف إلى كبارها …..
في الأردن كانت له مرحلة جديدة مليئة بعنفوان الفتى الحجازي الباحث عن قضية يسكن إليها ويعيشها والى الأبد ، ولأنه أراد إكمال الماجستير في الفقه وأصوله فقد اشترطت عليه الجامعة منهجا تكميليا من البكالوريوس في الشريعة والقانون بما يعادل نصف مرحلة البكالوريوس أي حوالي 60 ساعه دراسية أتمها بتفوق وتميز……
في الأردن تعرف وليد على طبقة علمية مختلفة تفتحت له معها آفاق جديدة وسيطر عليه بعدها الاهتمام بفقه المقاصد وزاد من اهتمامه ذاك أن تيسر له قراءة كتاب الموافقات للشاطبي على احد الأصوليين المبرزين في علم المقاصد وفلسفة التشريع ……وهناك التقى وحاور رموزا علمية من أمثال الدكتور البوطي وفتحي الدريني وطه جابر العلواني وغيرهم كثير ..حاور البوطي حول كتابة في ضوابط المصلحة وحاوره كثيرا حول موضوع رسالته للماجستير في نظرية الجمع والتقريب ..و التي تأثر فيها بنظرية الفروق للإمام القرافي ..وحين قال له الدكتور البوطي أن هذا الموضوع لم يطرق من قبل وهو صعب وشائك ..قال له : فليكن فان لم تؤدي رسالتي غرضها من خدمة هذا الموضوع فإنها تفتح بذلك بابا للبحث سيأتي بعدي من يكمله …..وأنهى الرسالة وقدمها من اجل المناقشة وكان قرار اللجنة بإجازتها مع التوصية بطباعتها……بعدها التفت إليه المشرف على الرسالة قائلا له :وليد إذا ما واصلت هذا الطريق فانك ستحدث ثورة تجديدية في علم أصول الفقه …….
وأثناء مراحل الدراسة في الأردن ..مر بعنفوانه الثائر على مواقع ومنتديات ..منها شبكة الأحرار ومقالة الشهير، ظلمة الاستقطاب الاسلاموي ،و الذي جلب عليه المزيد من الغضب والحقد الملبس برداء الحرص على الدين والملة …..وشارك في بيانات التيار الدستوري وأنشطته الإعلامية منذ بيان المعالم الذي أعقب اعتقال مجموعة جدة وقد كان من أكثر المواقف التي تأثر بها كثيرا أثناء حضوره محاكمة الدستوريين الثلاثة ، حين جئ بابي بلال عبدالله الحامد والدكتور متروك الفالح والاستاذ الدميني وهم يرسفون بالقيود الحديدية إلى قاعة المحكمة ، فلا يزال يذكر ذاك الموقف بكل إعجاب وتأثر بالغين من الروح التي تحرك هؤلاء الرجال …….
وفي المنتديات الحوارية كان حريصا أن يكتب باسمه الصريح بعيدا عن الأسماء المستعارة وقد كنا مع غالبية كتاب المنتديات نتوراى خلف أسماء مستعارة …. ذهبت هي اليوم .. ولم يبقى منها إلا الندوب الساكنة في نواحي الذاكرة وفوق تلالها ……كان صريحا جريئا شفافا، يمقت التقية والممارسات الباطنية التي أصبحت هي الأصل لدى كثير من التيارات والاتجاهات ، ولدى كثير من الكتاب والمنتسبين إلى الثقافة ، فباطنه هو ظاهره البائن من كل غموض وتورية ……….
عشق الفلسفة وأدمن قراءة كتبها .. ولكنه لم يكتف بما قرأ ، فالتحق بالدبلوم العالي للفلسفة في جامعة اليرموك ،طالبا مستمعا ،فحقق بعضا من نهمه المعرفي و الذي لم يكن له أن يتوقف …ذاكرته المعرفية مذهله ، واستحضاره لتفاصيل المسائل والقضايا مربك لمن أمامه ، يخيل إلي أحيانا انه يستظهر كثيرا مما قرأ ، ومع كل هذا فانه يكره الدخول في جدليات معرفية لا يرى من ورائها أي طائل ، ويحب أن تكون الأحاديث أكثر عملية و أكثر التصاقا بواقع الحياة والناس……وربما تجده لائذا بالصمت لحظة أن أنصاف المثقفين يخوضون أمامه في طول القضايا وعرضها…..وحدهما أمران يستفزانه للرد ،وذلك يوم أن يسمع كلاما ظالما بحق مظلوم غائب …..أو يسمع تهجما على الشعب واتهامه بالقصور والحاجة إلى تربية ليستحق الديمقراطية…..
هكذا اذن ..
اكتملت لوليد في سنوات قليلة ما يحلم به الكثيرون من شباب الوطن ، شهادة علمية عليا ، وثقافة واسعه ، واستيعاب لدقائق التخصص الذي نال شهادته ، وكل ذلك تم له وهو لم يتجاوز الثاسعه والعشرين من العمر … كان المكان الطبيعي لوليد محاضرا في إحدى الجامعات ، وهي أمنية لا يفرط بها احد، خصوصا من الذي يهتمون بالإصلاح والتغيير لأنها في نظرهم فرصة لتحقيق ما يحلمون به عبر مقاعد الأستاذية ومن فوق منابر التعليم العالي الأثيرة ، ويزداد الأمر إغراء حين يتصل احد النافذين في إحدى الجامعات طالبا منه التقدم إلى الجامعة ليكون محاضرا فيها ….كانت الأبواب مشرعه أمام هذا الشاب ليكون “طبيعيا” خصوصا وهو المسكون بحلم إتمام مرحلة الدكتوراه ،وقد حدد موضوع بحثه وهو موضوع بديع في فنه وجديد ومثير ، لقد كانت كل الأشياء مهيئة له أن يكون “مواطنا طبيعيا”.. ولن يمنعه ذلك من أن يشارك في مشاريع “الإصلاح ” التي لا كلفه فيها ولا ثمن كبير، وما أكثرها ، وما أكثر المنخرطين تحت لوائها …كان بإمكانه أن يكون “مثقفا طبيعيا” و”إصلاحيا تقليديا” ، يسكن بيتا جميلا ، تضم جوانبه زوجة جميلة ، ينام مبكرا بدون قلق الغد الآتي ، وينتظر آخر الشهر ليستلم راتب الوظيفة ، وليمارس متعة الحياة مثل غيره من أبناء جيله الغافين على نعيم الراحة وخمائل الفرش الموضوعة والنمارق المصفوفة ….ويظهر مرة في الشهر في برنامج تلفزيوني أو يكتب مقالا ، يتحدث فيهما عن حفريات الشوارع ، ومياة الصرف الصحي ، والسلامة المرورية ،ومخالفات الهيئة ،ومعالي نائبة الوزير التي لم تجب على سؤال عكاظ ……
وكان بإمكانه أن ينضم إلى جوقة الكتبة الذين يحملون اسواطهم ليجلدوا بها هذا الشعب المغلوب على أمره ، لأنه في نظرهم شعب بحاجة إلى تربية طويلة ليستحق الميثاق العالمي لحقوق الإنسان ،وليستحق من قبله الحقوق الشرعية التي قررتها شريعة محمد النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام ..وهذه التربية الطويلة بزعمهم ،تقوم بها النخبة المثقفة والسلطة الحاكمة معا ، وذلك من اجل أن تتنازل السلطة عن حكمها الأبوي المطلق بعد إتمام عملية التأهيل الجماعي هذه ليكون حكما دستوريا مؤسسيا..هل سمعتم بهراء مثل هذا من قبل ..؟!!
كان ذلك يكفي ليكون وليد ناشطا إصلاحيا ومثقفا يتحدث بضمير الأمة !!….فما أسهل الإصلاح في بلادي وما أسهل الانتساب إليه …. كان بإمكانه أن يكون كذلك …نعم لقد كان بإمكانه……
ولكن مرة أخرى… تتحرك يد القدر الخفية… وتخرج من وراء سجف المعاناة والألم … وتلوح له بان طريق الحلم لا يمر من هنا وإنما من هناك …حيث طرق الجبال الوعرة، وغابات الوحوش المتنمره ، والصحراء اللاهبة ،ومفازة المهالك السبعه …حيث يجد نفسه وحيدا وقد تخلى عنه “الأصحاب والأصدقاء” ، وهجره الناس واستوحشت البراري من وقع خفيه المهلهلين، و أدمت قدميه حواف الجنادل ولهيبها الحارق …..يحمل على ظهره … بقايا الحلم ملفوفة بقماشة بيضاء يعبر بها إلى نهايات الأفق …..
لا شئ غير تلك البقايا ، بقايا حلم الشباب في هذا الوطن… بمستقبل أفضل …وغد أجمل …..لوطنهم ولشعبهم …..و لأجيال قادمة لم تزهر بعد أعمارهم ، وشباب آخرين سيأتون من بعدهم ، فرحين بما آتاهم الله ، ويقولون لقد كانوا هنا …نعم لقد كانوا هنا ….
هذه مواطئ أقدامهم ..هنا عانقوا الشمس وهناك اغتالهم الليل ..وهذه هي البقايا ..هذه بقاياهم …هذا ورق ابيض بللته السماء…وذاك قلم مكسور … ..وهناك …..هناااااك ….في آخر الطريق .. وعلى قمة الجبل …..حقيبة رجل ليس فيها إلا بقايا حلم …
